16 أغسطس 2013

The Aviator 2004 .. الوصول للمثالية

 

عندما أكبر , أنا سأصنع
أسرع طائرة على الاطلاق
سأصنع أضخم الافلام على الاطلاق
وسأكون أغنى رجل في العالم

طريق المستقبل 
 
Perfect .. يمكنني وصف هالفيلم بتلك الكلمة
مارتن سكورسيزي إذا أردت وضع تصنيف أسطوري لـ أفلامه بالألفية الجديدة سيكون هالفيلم ضمنها

    كتبها مهند الجندي بتاريخ 24 فبراير 2005.

    بحلول العام 2004، يكون قد مضى على مارتن سكورسيزي 40 سنة في صناعة السينما، خلالها أخرج وأنتج وشارك في كتابة أكثر من 30 فيلم، منها الروائي الطويل والتسجيلي والقصير. وخلالها تنقل بين مواضيع وأطروحات متنوعة، ما بين الدرامي النفسي أو السيرة الذاتية، الإثارة، الدين، الموسيقى والكوميديا. سطع اسمه في بعض الأفلام وظلم في أفلام أخرى. الستينيات كانت البداية للتعرف عليه، السبعينات كانت لإثبات الوجود وتأسيس صبغة خاصة به، الثمانينيات لتغيير الطابع وتجربة أنواع أخرى من الأفلام، التسعينيات عودة أكثر تركيز ودقة على الصبغة الجرائمية والحضارة التي مرت أو تمر بها مدينته المفضلة نيويورك. في حين أن العقد الأول من الألفية اكشف فيه فترة قبيحة من التاريخ الأميركي.
    (الطيار) ليس مجرد تغيير في منهجية سكورسيزي المعتادة، بل هو تغيير موفق. يتألق به ويجد به المادة المناسبة التي يريد أن يتحدث فيها عن هوليوود، يقول في مقابلة له عام 1999: “لقد فقدت الاتصال مع العالم الجديد واشعر أنني مغترب عنه”. ولهذا يستخدم سكورسيزي فيلمه الجديد هذا ليهرب مرة أخرى من العالم التكنولوجي المعاصر، ويعود إلى الوراء ليتحدث عن هوليوود وبعض أساطيرها. هوارد هيوز الذي يعده أحد الشخصيات التي تشبه شخصياً كمخرج، فهو مثله مهووس بالأفلام والمثالية. ولهذا السبب اهتم بالمشروع كي يطرح المعاناة الحقيقية لهذا الرجل، العبقري في استثمار الأموال، والعبقري في إهدارها.
    بليونير، لعوب، مخترع، رائد، مخرج، مخبول، ومستهتر. هوارد هيوز، كان كل هذه الأشياء وأكثر، في سيرة ذاتية مترفة عن إحدى أكثر شخصيات القرن العشرين تنوعاً في الموهبة، الجاذبية والهوس. يركز الفيلم على السنوات الرئيسية وأعظم إنجازات حياة هوارد هيوز الشاب اليافع، وهو ربما يكون أكثر أفلام مارتن سكورسيزي قدرة على التسلية منذ تحفة عام 1990 (رفقة طيبة)، تاركاً الجمهور يطالب بالمزيد.

    بالنسبة إلى حجم وإنجازات حياة هيوز، فإن هذا مشروع طموح للخروج بصورة تلائم حتى نصف حياته، سيناريو جون لوغن ينجح بألمعية أهم نقاط حياته وتسليط الضوء على نقاط غامضة أخرى. هذا عدا عن تجسيد حياة نجوم هوليوود في تلك الفترة كشخصيات للتمثيل وأزياء للتصميم وإعادة إحياء بيئة ثلاث عقود كاملة من القرن الماضي.
    تفتتح المجريات بموضة على طفولة هوارد، يستحم على يد أمه وتلقنه درساً عن الأهوال التي تسببها الأمراض والجراثيم. وهو الهوس الذي لاحقه حتى أيامه الأخيرة. نشاهد هوارد هيوز (ليوناردو دي كابريو) كمخرج أولاً، وهو يبلغ الواحدة والعشرين من العمر، ثري من تجارة عائلته في حقول النفط. بداية (الطيار) الدرامية تطلعنا على إنتاجه وإخراجه للفيلم الحربي (ملائكة الحجيم) في عام 1927، مشروع صرف عليه مليوني دولار وأمضى سنتين في تصويره، قبل أن يقرر دفع نفس هذا المبلغ مجدداً لإعادته كفيلم ناطق (وهو ما فعله في الكثير من أعماله). كما استمر طويلاً بتحدي السلطات السينمائية الأمريكية كي يطرح العنف في فيلم (وجهة الندبة) والجنس في (الخارج عن القانون).
سكورسيزي الذي دخل إلى هذا مشروع بعد اعتذار مايكل مان الذي عبّر أنه لا يستطيع تصوير ثلاثة سير ذاتية على التوالي (الدخيل ومن ثم علي)، يحفر ثقباً في تاريخ هوليوود الماضي لنتعرف على الرجل ونواكب حياته بالتدريج والتسلسل. ومن هو أفضل من مارتن سكورسيزي في صناعة السيرة الذاتية ووصف الأمراض النفسية، صانع أفلام تعد 70% من أفلامه مقتبسة عن قصص حقيقية أو شخصيات كذلك. عشق هوارد هيوز بالمقام الأول كان يكمن بالسينما وبالطيران، وفي الممثلات بالمقام الثاني. ولأن سكورسيزي يهتم بأصغر تفاصيل أفلامه، فـ(الطيار) إنتاج هائل وبهجة جامحة للعين.
    تستطيع القول أن هوارد هيوز كان أول بليونير يستثمر بطريقة عملاقة في هوليوود، غير شكل الطيران، أذهل النساء، واجه فساد الحكومة الأمريكية ضده وشركة بان آم العملاقة في الأربعينيات. في حين أن أفكاره لم تكن حميعها ناجحة، كان كفاحه الجاهد للوصول إلى أعلى أحلامه يؤثر على صحته، يضعف من حالته العقلية التي كانت تعاني من جنون الرهبة وجنون العظمة في ذات الوقت. لكن ما أوصله إلى حافة الجنون هو حادث تحطم طائرته الشنيع، جعل حالته النفسية تخرج عن السيطرة. الحادث سبب له حروق وتشوهات فظيعة. وهنا بالذات تبرز براعة سكورسيزي، تصويره لهذا المشاهد مثير وصاخب ومعني بالتوقيت الملائم. من جمل الفيلم الجميلة هي لمدير أعماله نوا ديتريتش (جون سي. رايلي) عندما يخبره الطبيب بأنهم قد استخدموا مخزونهم في عملية نقل الدم لهيوز، يجيب ديتريتش قائلا: “إن هذا لن يعجب السيد هيوز.
    ثمة إضافة هامة يقدمها التمثيل للفيلم. سكورسيزي ينال أخيراً ما يريده من ممثله الحالي ليوناردو ديكابريو، فيتعامل مع ألم هيوز العقلي المتزايد والمتصاعد بشكل طبيعي، يعالج عقدته المنبثقة من خطب والدته له، وهو ما ينتشر فيه كلما كبُر. ما يبدأ أنه تحذير للحفاظ على النظافة والفخامة يتحول إلى موضوع يستحوذ حياته في مرحلة متقدمة وتتطور إلى مرض مزمن. يتجنب المصافحة، يصر على ارتداء القفازات، يخشى مقابض الأبواب، يغسل يديه حتى تنزف، مما يقوده في النهاية إلى عزل نفسه عن العالم الخارجي. هذا هو المشهد الطويل الذي يشرح به ديكابريو “العاري” ببراعة وهو يهلوس في غرفة المراقبة أنه يريد لعب الأدوار التي تجرده من البراءة (كما تزال ملامح وجهه تدل على ذلك).
    تجسيد ديكابريو يتطلب وقت معين للإقناع، لكنه في النهاية يصل، وهو أداء يكشف التعقيد الحقيقي للرجل، يصور شياطينه بشكل يسهل تقديره. الطاقم المساند لا يجاري ديكابريو كوقت أو غنى في الأدوار، لكنه جيد ومتقن بما فيه الكفاية. جون سي. رايلي مدير أعمال هيوز المتعب، أليك بالدوين رئيس شركة الطيران بان آم، و ألان ألدا عضو مجلس الشيوخ الذي يضعه بالدوين في جيبه ويسعى جاهداً إلى تشويه سمعة هوارد هيوز. في حين كيت بلانشيت تستحق الأوسكار لإحيائها أيقونة الراحلة كاثرين هيبيرن، تخرج كل ما تعرفه عن التمثيل لتأدية ما نعرفه نحن أو نريد معرفته عن الأسطورة الراحلة، بأداء ممتع ودقيق وبالأهم صحيح.
    كان سكورسيزي على دراية مسبقة أنه إن أراد عرض حياة هوارد هيوز على الشاشة الكبيرة، عليه أن يحظى على سيناريو متفوق، يغوص في شخصية تلك الأسطورة الأمريكية، يرينا ما يوجد خلف ثروة وموهبة هوارد هيوز المؤلمة. قصة هوارد هيوز ليست كأي شيء صنعه سكورسيزي من قبل، وهي في نفس الوقت تشبه حكاية معظم أبطال أفلامه. ترافيس بيكل، جاك لاموتا، هنري هيل، سام روستين، هوارد هيوز، هي شخصيات تلتزم انتزاع حياتها من المنطق السليم والعقلاني بعيداً وتلقيه أدراج الرياح، لتعتصر كل ما يمكنها من قوة وعاطفة وإنجاز وتقع باختيارها في الوحل الشخصي الاجتماعي المهني والروحي.


-------------------------------------------------------------------
تقيمي الشخصي :
8.5/10

إخراج : مارتن سكورسيزي
بطولة : ليوناردو ديكابريو, كيت بلانشيت, كيت بيكنسيل, جون سي. رايلي

0 التعليقات:

إرسال تعليق

ملحوظة: يمكن لأعضاء المدونة فقط إرسال تعليق.